عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

215

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

صوف ، فسلمت عليها فردت علىّ السلام ، ثم قالت يا فتى أين تريد ؟ قلت بعض القرى لحاجة ، قالت كم بينك وبين أهلك ومنزلك ؟ قلت ثمانية عشر ميلا ، قالت ثمانية عشر ميلا في طلب حاجة ؟ إن هذه لحاجة مهمة ، قلت أجل ، قالت ألا سألت صاحب القرية أن يوجه إليك بحاجتك ولا تتعب ؟ قال : ولم أدر ما الذي أفادك من طرائف حكمته إذ أوصلك إلى محبته ؟ قال فبقيت لا أدرى ما أقول ، فقالت لعلك ممن يحب أن يكتم المحبة ؟ فلم أدر ما أقول ، فقالت : يأبى اللّه تعالى أن يدنس طرائف حكمته ، وخفى معرفته ، ومكنون محبته بممارسة قلوب البطالين ، قلت يرحمك اللّه ، لو دعوت اللّه عز وجل أن يشغلني بشئ من محبته ، فنفضت يدها في وجهي ، فأعدت القول ، فقالت امض لحاجتك ، ثم قالت : لولا خوف السلب لبحت بالعجب ، أوه من شوق لا يبرأ إلا بك ، وفي حنين لا يسكن إلا إليك ، رضى اللّه تعالى عنها ، ونفعنا بها آمين . ( الحكاية العشرون بعد المئتين : عن بعضهم ) حكى أنه كان شابان يتعبدان بالشام يسميان الصبيح والمليح لحسن عبادتهما ، جاعا أياما ، فقال أحدهما لصاحبه : اخرج بنا إلى الصحراء لعلنا نرى رجلا نعلمه بعض دينه ، لعل اللّه أن ينفعنا به فخرجا ، قالا : فلما أصحرنا استقبلنا أسود على رأسه حزمة حطب ، فقلنا له : يا هذا من ربك ؟ فرمى بالحزمة عن رأسه وجلس عليها ، ثم قال : لا تقولا من ربك ؟ ولكن قولا لي أين محل الإيمان من قلبك ؟ فنظر كل واحد منا إلى صاحبه ثم قال لنا : اسألا اسألا ، فإن المريد لا تنقطع مسائله ، فلما رآنا لا نرد جوابا قال : اللهم إن كنت تعلم أن لك عبادا كلما سألوك أعطيتهم ، فحول حزمتي هذه ذهبا ، فإذا هي قضبان ذهب تلمع ، ثم قال اللهم إن كنت تعلم أن لك عبادا الخمول أحب إليهم من الشهرة فردها حطبا فرجعت حطبا ، ثم حملها على رأسه ومضى ، فلم نجترئ أن نتبعه رضي اللّه عنه ونفعنا به آمين . ( الحكاية الحادية والعشرون بعد المئتين : عن بعضهم ) قال : صليت خلف ذي النون صلاة العصر ، فقال اللّه ثم بهت وبقي كأنه جسد ليس به روح من إجلاله للّه تعالى ، ثم قال أكبر ، فظننت أن قلبي قد انقطع من هيبة تكبيره * وقال ذو النون رضي اللّه عنه : سمعت بعض المتعبدين بساحل الشام يقول : إن للّه تبارك وتعالى عبادا عرفوه بيقين من معرفته ، فشمروا قصدا إليه احتملوا فيه المصائب